نخبة من الأكاديميين
387
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
" حسنات " و " منافع " للنهوض بالمجتمع المصري ودولته الجديدة : دولة محمد علي باشا راعية البعثات المصرية إلى أوروبا ولا سيما إلى فرنسا . إلا أنه بين الوصفين يقوم تفاوت تاريخي ذو دلالات ؛ لا لناحية تفاوت الزمن ، بل بشكل أساسي لناحية التفاوت بين الموقعين والنظرتين ووظيفة المعرفة ومنهجها في كل من المشروعين الثقافيين . تتضمن نصوص " وصف مصر " معرفة استشراقية للمجتمع المصري وتاريخه وآثاره وفنونه وبشره ، أي معرفة تتملك موضوعها وتهيمن عليه بالمعنى الذي يذهب إليه إدوار سعيد في كتابه " الاستشراق " . لا بالمعنى الذي قد يذهب إليه البعض فيعتبرون هذه المعرفة معرفة استعمارية " مشبوهة " ، ينبغي رفضها ، لكي لا تشوّه الصورة " النقية " لمجتمعهم وتاريخهم وحضارتهم . ومهما يكن ، فإن المسألة وقد أضحت مسألة تاريخية ، ليست هنا ، أي ليس في الموقف المعياري الذي ينبغي اتخاذه . ذلك أن الحضارة والحرب أو المعرفة والعنف ، هما وجهان لمسار تاريخي واحد . صحيح أن بعض المفكرين المؤرخين اعتبر أن الحرب مدمرة للحضارة ، وكان هذا موقف تويمبي وفي ذهنه الحربان العالميتان الأوروبيتان ؛ إلا أن آخرين وهم كثر يرون الحضارة والحرب ، مكمل الواحد الآخر . كان هيجل يرى في الحروب تجليات للتاريخ وللأفكار وللمؤسسات والدول . وكان قبله ليبنتز الفيلسوف الألماني أيضاً ، قد اقترح في عام 1672 ، أي قبل الحملة الفرنسية بحوالي قرن وربع القرن ، على ملك فرنسا لويس الرابع عشر أن يرسل حملة لاحتلال بلاد الفراعنة " ، " أم العلوم " والمركز الأمثل " للسيادة على العالم والبحار " « 1 » . جان فرنسوا شمبليون ، مكتشف الحروف الهيروغليفية وقارئ رموزها وواضع قاموس لغتها الذي اعتُبِرَ مفتاح تاريخ الحضارة المصرية القديمة ، يقع داخل هذا الإشكال التاريخي ، أي داخل هذا الالتباس الذي تتجاذبه الإيديولوجيات الثقافية والسياسية من مرحلة إلى مرحلة ، ومن بلد إلى بلد ، وبصيغة عناوين ومفردات مختلفة : الثقافة والاستعمار ، المعرفة والعنف ، العلم والسلطة ، الحضارة والحرب ، الخ . . . وعليه فإن كتاب " وصف مصر " يُعدّ إنجازاً حضارياً ، وإن كتبه علماء قدِموا في كنف حملة استعمارية استخدمت العنف المسلح في فتح البلد وإخضاعه . فثمة علماء كانت تُحركهم المغامرة العلمية وحدها وحب الاطلاع حتى مكابدة الخطر : إنها متعة المعرفة واكتشاف " الجديد " وفك ألغاز المجهول إنها ذهنية " أنوار " القرن الثامن عشر ، تلك التي كانت لا تزال تهيمن على العديد من علماء الحملة الفرنسية ، بمعزل عن أهداف نابليون وحكومة الإدارة ، وبمعزل أيضاً عن تصورات نابليون في تمثله لعظمة " الإسكندر " ودوره " الهليني " في الشرق . بل حتى ولو افترضنا علاقة ما بين تلك الذهنية وهذه التصورات ، فإن ثمة عالمية ثقافية كان يحملها المشروع الرأسمالي الأوروبي بالرغم مما يحمله من تناقضات وصراعات ومنافسات استعمارية . ألم يحمل المشروع الإسلامي ، إبان ديناميته هذه العالمية في الاقتصاد والثقافة والفتوح أيضاً ، فتجلت عند أدبائه ومؤرخيه وعلمائه ورحالته وجغرافييه الذين كانوا يجوبون البلاد المفتوحة بذهنية المغامرة العلمية نفسها ؟
--> ( 1 ) . Robert Sole , LEgypte , passion francaise , Paris 1977 , p . 25 .